"بِركة العروس": عن شَبَقِ المرأة وجسدها وخيبات الرّوح

تجلس سلمى (كارول عبود) بجسدها الخمسيني المتّقِدِ بالشَّبق والرغبة على حافة شباك سيارة عشيقها وهيب (ربيع الزهر)، فيما تترك للهواء مداعبة خصلات شعرها، ولكتفيها ورقبتها تحسّس نسماته. تتغلّغل بين كتفيّ عشيقها وسط طبيعة واسعة وساحرة، ويختفيان في متعتهما الشهوانية. في ذلك الوقت المُستقطع من الحياة، تُسقِطُ عن كاهلَيها قسوتها وصلابتها وحزمها، ولكنها لم تتمكّن من إسقاط كامل مخاوفها ربما!

سلمى، بطلة فيلم المخرج اللبناني باسم بريش "بركة العروس" (2022) هي امرأة تداري العيش وحدَها. في فيلمه الروائي الطويل الأوّل، يصطحب بريش المشاهدين/ات في رحلةٍ لاستكشاف حياتها في منطقة الشوف اللبنانية. عالمٌ متكامل من سحر الأنفاس وانحباسها عبر الألوان والأضواء وعتمتها وبحر من المشاعر والأحاسيس الفيّاضة والمتمنّعة.

يُطوع بريش الزمن في سينماه، ويُسيّر الأحداث خارج الوقت وداخل مسارها المنطقي. لا كثير من الكلام في السيناريو، إذ إنه يبرع في توظيف كامل الأدوات السينمائية الأخرى وتفعيلها. لسرد الأحداث؛ يستعين بالممثل والكاميرا والضوء والصوت والموسيقى وموقع التصوير. 

يخصَّ المخرج "جيم" بمقابلة مطوّلة يشارك فيها تجربته في صناعة الفيلم الذي فاز بجائزة صلاح أبو سيف (لجنة التحكيم الخاصة) في "مهرجان القاهرة السينمائي الدولي" في دورته الـ44 (2022)، وبجائزة "أفضل فيلم" في "مهرجان فالنسيا لأفلام البحر المتوسط" (2023).

سحر السينما

يخلق بريش سينماه لا لتروي فقط، بل لتطرح الأسئلة وتفتح الخيال. يرى أن المشاهدين/ات لا يُصدّقون السينما فحسب، بل يُحاولون تقليدها. وإيمانًا منه بذلك يصنع ما يتمنى المرء أن يعيشه في الحياة الواقعية. لذلك جعل سلمى تساعد ابنتها ثريّا (أميّة ملاعب) في إجهاض حملِها. هذه اللقطة في الفيلم لم تأتِ من عبث؛ يروي لنا بريش أن خلال بحثه عن الإجهاض، تحدّث إلى خمس نساء سبق لهنّ خوضه. طرح عليهنّ مجموعة أسئلة واستوقفته إجابتهنّ المشتركة على السؤال التالي: من كنتِ تريدين أن يكون معك خلال إجهاضِك؟ 

جميعهنّ أجبن: الأمّ. ولم تكن أم أيّ واحدةٍ منهنّ موجودة معها خلال خوضها العمليّة. إجابتهنّ الموحدة شكّلت صدمةً له خاصة أنه لم يشاهد ذلك في أيّ عملٍ سينمائي. 

صورة بريش تتحدَّث؛ الوجوه والأجساد والضوء ولقطات المناظر الطبيعية تنقل المعنى أبلغ من أيّ حوار. أما المونولوج الذي يوجّهه سميح (فادي صقر) إلى سلمى وهي في طريقها للقاء وهيب، فلا يُضيف ولا يُنقص شيئًا من المسار العام للفيلم. ولذلك استخدمه لإثبات نظريّته. يُكثّف بريش صورته عبر تكوين طبقات متداخلة، يروي من خلالها ذكرى أو قصّة أو شعورًا ما. الدرج الذي جلست عليه ثريا حين أخبرت أمّها بطلاقها، تتحدث فراشته المرسومة على الحائط عن كونه مجلسها الطفولي.

الأم كما الابنة: خيبات الروح ولملمتها

بمسدسٍ بين عينيها، تستقبل سلمى وصول ابنتها ثريا المفاجئ. بلحظةٍ سينمائيةٍ دراماتيكيةٍ ذات حضور مؤلم، يقدّم لنا بريش طبيعة العلاقة المرتبكة بينهما، حتى إنه واجه انتقادًا حادًا على قساوة المشهد أثناء رحلة بحثه عن التمويل. إصراره عليه هو في صلب إيمانه بسحر السينما واللعب بأدواتها للخروج من الواقع وجعل الخيال مُعَاشًا. هذا الظهور غير المتوقّع لثريا "أربك" أمّها، إذ يُمكن لوجودها أن يغير روتين حياة سلمى ويقتحم خصوصيّتها التي لا تودّ مشاركتها مع أحد حتى مع ابنتها. "المرأتان ليستا أعزّ الأصدقاء" يقول بريش. لا أريحية بينهما. حديثهما مقتضب. لا تعبير عاطفي. ولا حتى حضن. رغم ذلك فإن "عودة ثريا إلى أمها تحديدًا، واختيارها عدم البقاء وحدها أو الذهاب عند رفيقتها أو أيّ شخصٍ آخر، هو قرار لمواجهة هذه الهوّة" حسب المخرج. هوّة عميقة تُبعدهما عن بعضهما. القسوة ظاهرة عندهما ومتوارثة. من أين؟ ليس مهمًّا. ما يهمّ هو أنّ الحب موجودٌ بينهما، لكنه دفين ومختبئ يُرسيه الألم على السّطح.

تفقأ ثريّا عيني أمها في إحدى الصور. تنتزعهما بواسطة القلم. توارب ثريا لهفتها على أمّها عندما تنزلق الأخيرة قرب "بركة العروس"1. لم تقترب منها حتى. تكتفي بنظرة بعيدة وكلمات قليلة. جفاف عاطفي مدقع. برودة المشاعر ليست سوى برودة الحياة وظروفها والانكسار الذي تركته في روحيهما والخيبات. المشاعر مدفونة ومخبأة وراء وجهين جميلين، على الرغم من الملامح التي تعوّدت القسوة. تريد ثريا الاطمئنان بحقّ على والدتها، أن تتيقّن من أنها على خير ما يرام. وتريد لهما كما تمنّت لها أمها في تلك الليلة، أن "تُصبحا على خير". 

أراد بريش أن تكون السينما روح الخيال، وقوّتها التي تكمن في إمكانية "كسر حواجز" الحياة، لهذا أشعل جمر مشاعر الأم حين انكسرت ثريا أثناء إجهاضها، تُغلق النوافذ، توصد الأبواب، تترك الهاتف يرنّ والأبواب تُقرَع. لا ترى غير ألم ابنتها فـ"تشمّر" عن ساعدَيها لتخوض معها في "خطيئةٍ" تعلم تداعياتها جيدًا إذا لم ترتكبها. وهي ربما خطيئة أن تعيش ثريا ما عاشته أمّها، مكرهة أو برضاها حين ربّتها وحدها في بيتٍ زوجيّ بلا زوج. كانت المرّة الأولى 
التي نرى فيها المرأتين في جوّ دافئ سويَا. يسأل بريش ويترك الإجابة مفتوحة: هل تسترجع سلمى أمومتها في هذه اللحظات مع ابنتها وفي الوقت نفسه تتخل عنها، وحينئذ ربما ستصبحان على وِفاق في المستقبل؟

تطرح الدكتورة سارة مراد، المحاضرة في علم الميديا والإنثروبولوجيا في الجامعة الأميركية في بيروت، أسئلة عن تجربة ثريا الزوجية: هل جعلتها هذه التجربة تفهم ما لم تفهمه من قبل عن أمّها؟ وهل هذا ما جعلها تلجأ إليها بعد طلاقها، واختيارها لها لمساعدتها في الإجهاض؟ وهل شعرت ثريا بأن ما تريده لحظة الإجهاض لن يستطيع أحدٌ منحها إيّاه غير أمّها؟

أجسادنا والطبيعة

تسرد سلمى لثريا خرافة بركة العروس وهما تتمشيان فيها. تحتضنهما الطبيعة التي تلعب دورًا أساسيًا في الفيلم، فتقوّض بحضورها الصامت والمدوّي الكثير من المعتقدات الإنسانية وتُسائِلها. 

في "الطبيعة الأم"، حيث يلتقي الجمال والحب غير المشروط، تجتمع الأم بابنتها. تُوصَف الطبيعة غالبًا بـ"الولّادة"، وتُستخدم هذه الكلمة عادةً لوصف النساء، التي يرى المخرج أنها صفة ذكورية كما عباراتٍ أخرى مثل "خضرا إنت"؛ وهو تعبير تفرح النساء به عادةً كما يقول بريش، لكنه يكسر هذه الأفكار السائدة عن الطبيعة والمرأة الأم عبر مساعدة سلمى لابنتها على إجهاض جنينها.

الغائب الحاضر

نشأ بريش في منطقة الشوف، ولاحظ باكرًا غياب الرجل عن المنطقة، وهو غيابٌ بالمعنى الفعليّ للكلمة. عاش في زمنٍ كان فيه الرجال يذهبون إلى الحرب أو لتأمين عيشهم خارج قراهم، سواء في بيروت أو عبر السفر إلى الخليج وأفريقيا. كانت القرية تتكوّن في معظمها من نساء وأطفال ومسنّين وقِلّة من الرجال. جعله الأمر يُفكّر بالمرأة الشابّة في تلك القرى. الشابات اللواتي يعشن أجمل مراحل عمرهنّ، ولديهنّ متعهن وحاجاتهن وغرائزهن، ولكنّ الرجل غير موجود. يسأل بريش: ماذا نفعل في هذه الحالة؟ هل نتمسّك بالعائلة؟ أم نلحق غرائزنا ومتعنا؟

توضح سارة مراد - المتخصّصة في الأنثروبولوجيا - كيف منح الدين وكذلك القوانين الرجل امتيازات في مفهوم الخيانة أو تعدّد الشريكات، كما في الإسلام الذي يُبيح للرجل الزواج بأربع. إضافة إلى ذلك، ثقافيًا واجتماعيًا يتسامح المجتمع مع خيانة الرجل، والتي لا تؤثر على موقعه ولا تهدّد مكانته، بل تُعتبر أمرًا عاديًا. 

في المقابل، فإن هذا المجتمع نفسه لا يغفر خيانة المرأة، التي تواجه النبذ وتشويه السمعة وإطلاق الأحكام إلى جانب ضغوطات وممارساتٍ أخرى؛ فالنظام البطريركي يفرض هيمنته على المجتمع هناك.

وترى مراد أنّ النساء تشرّبن هذا النظام وأصبحنَ يُمارسن "السّلطة الأخلاقية" على غيرهنّ. هذا ما تفعله فاديا (أنطوانيت نفيلي) ونوال (فاديا التنير) في الفيلم، في سبيل اكتساب "موقع اجتماعي" والشعور بالفوقية والسلطة والقوة.

يسمح مخرج "بركة العروس" للإنسان بممارسة إنسانيته متخطيًّا تلك الأنظمة، من دون تصنيفات الصواب والخطأ أو إطلاق الأحكام. لا يبحث بريش عن زوج سلمى ولا عن سبب اختفائه. الفيلم يتناول فكرة اختفاء صورة "الرجل"، على الرغم من حضوره الدائم، سواء من خلال صورة على الحائط أو النساء الذكوريات. 

في الوقت نفسه، تمتلك سلمى سلطة عليهنّ من خلال عملها في مكتب الهاتف في الضيعة، ومعرفتها بالأخبار ودرايتها بإدارة حياتها في الظل بينهم. لم يُرد المخرج إسقاط رداء الملاك الأبيض على سلمى، ولا جعلها ضحية ولا تقديسها. سلمى إنسانة ترتكب الخطايا. يسأل بريش "هل يجعلها ذلك شخصًا سيئًا؟ من يستطيع محاكمتها ومن له الحق في ذلك أصلًا؟"

لهذا اختار بريش أن تكون البطلة على علاقةٍ برجلٍ متزوّج. نراها حرّةً ولعوبًا وجامحة. تُخرج جسدَها للهواء الطلق، وتستشعره يُداعب شعرها. ينسيان سحر الطبيعة الجبلية وجمالها، ويغرقان في حبٍّ مؤقّت، إلى أن قالها وهيب ذات مرة" بدنا السترة يا سلمى". وبذلك أنهت سلمى العلاقة. تعود لسريرها لتُمتّع ذاتها بذاتها بعدما هجرت حبيبها، وتغرق بعدها في النوم. تختلس الكاميرا النظر إلى تموّجات جسدها الخمسيني العاري المتَّقد بالرّغبة والشهوة في بيت فارغ إلا من ظلّ رجلٍ غائب.

ترى مراد أن إمتاع الذات ليس بديلًا لعلاقة جنسية مُرضية بالنسبة للمرأة، بل يمكن أن يكون مكمّلًا لها. كما تتفهّم الدلالة التي قد يحملها المشهد في التعبير عن عدم رضاها الجنسي مع شريكها. وتضيف بُعدًا آخر يتمثّل في رؤية المخرج، الذي قد يكون هدفه إظهار الرغبة الجنسية لدى المرأة، خاصةً بعد تجاوزها سن الخمسين، لكسر الصورة النمطية التي تفترض أنها لم تعد كائنًا جنسيًا بعد عمرٍ معيّن.

لدى بريش رؤية خاصة للعلاقات الإنسانية، إذ يرى مشكلة جوهرية في مفهوم "العائلة" التي لا تقتصر على الشوف أو لبنان أو أية بقعة محددة من العالم، فهو يعتقد أن هذه "المؤسّسة" أو هذا "المفهوم" لم يعد صالحًا في زمننا الحالي. فالعائلة كما يراها تصل اليوم إلى حالة من انعدام التواصل بين أفرادها أو إلى الطلاق أو إلى أن يكون أحد الطرفين على علاقة بشخص آخر. وفي القرى تكون هذه القصص أكثر وضوحًا منها في المدينة، لأن الجميع يعرف بعضه البعض حتى بين القرى المجاورة، لكن لا أحد يتحدث عنها. ومن هنا يؤكد بريش "هذه القصص تحصل، وتحصل دائمًا، وفي كل مكان".

أما اختيار الطبيعة مسرحًا للقاءات العشيقين الحميمة، فيعود إلى غياب ثنائية "الصواب والخطأ" في تكوينها، وإلى حسّيتها الفطرية. أراد المخرج أن تجتمع سلمى ووهيب في فضاء مفتوح بعيدًا عن جدران أمكنتهما المغلقة، إضافة إلى سحر طبيعة الشوف.

فيلم "Riverbed - بركة العروس" هو دعوة لاستعادة سحر السينما وكينونتها، في مجاليها الضوئي والصوتي، ومغامرة ينطلق فيها الخيال الإنساني بلا قيود أيًا كانت. إنه مساءلة سينمائية لإنسانيتنا ولمفاهيم العائلة والعلاقات الغرامية والروابط الإنسانية والأسرية والاجتماعية، كما أنه إعادة تفكير في معايير الخطيئة والصواب ومدى سعادة الإنسان داخلها. فيلم بريش رحلة داخلية إلى نواة الإنسان، حيث تتشابك الرغبة والشهوة والموت والحياة بكل ما بينهما من تناقضات، وعن حبّ الأم والأب الابنة والزوجة والعشيقة… وطبعًا، حبّ الذات.

  • 1

    بركة ماء تقع في ضيعة عين قني في منطقة الشوف اللبنانية.

فاطمة بزي

حاصلة على إجازة في الإعلام من جامعة بيروت العربية، وحائزة على ماجستير في السينماتوغرافيا من بريطانيا.

إضافة تعليق جديد

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.